|
بدأت عملي مشرفاً على توزيع الأدوية والمساعدات على مستشفيات الشيشان منذ حوالي أسبوع ، ولقد زرت خلال هذه الفترة القصيرة أغلب المستشفيات في هذا البلد ، وقبل أن ابدأ عملي توقعت أن تكون هذه المستشفيات في حالة سيئة بسبب الحصار الروسي للبلد بالإضافة للقصف الشديد على جميع المناطق وبالتالي زيادة العبء على المستشفيات ولكن عندما رأيت بعيني أدركت مأساة الشعب الشيشاني وعمق معاناته ، فإذا أردت أن اصف حالة هذه المستشفيات لا أعرف من أين أبدأ ، أأبدأ من غياب القفازات الجراحية التي يستخدمها الجراح في عمله ، أم من عدم وجود الشاش الذي حسب معرفتي كدارس للطب أنه لا يمكن إجراء أي عملية ، أو حتى ضماد بسيط بدونه ، أم الطعام القليل الذي لا يكفي لتغذية المريض ، فالجرحى يتكفلون شراءه من خارج المستشفى بالإضافة لشراء الدواء الذي هو الآخر غير موجود ، فلو أن أحداً قال لي ذلك قبل أن أرى بعيني كيف يدخل المريض الذي يريد أن يغير ضماد جرحه حاملاً معه الضماد والمطهر والدواء لما صدقته
على كل عندما مكثت البارحة في غرفة الإسعاف في مستشفى أروس مارتان رأيت ما هو أفظع وأمر ، جاءت امرأة لتغيير ضماد جرحها وأي جرح هذا الذي لم يبق من يدها سوى ثلاث أصابع فلم تعد تشبه يد الإنسان بشيء ، وعندما خرجت من غرفة الإسعاف لسماع أصوات كثيرة في الخارج فوجئت بطفل لا يتجاوز الثانية عشر ممد على النقال وقد فتحت رأسه شظية ففارق الحياة على الفور . و ما هي إلا دقائق حتى وصلت امرأة أصيبت نتيجة قصف الطائرات الروسية على إحدى القرى بشظية في صدرها وأخرى في ساقها .
ولو أردت أن أذكر كلمّا رأيته في غرف الإسعاف من مناظر مروعة مرعبة تقشعر لها الأبدان وينفطر لها القلب لما اتسعت السطور لذلك ، وإذا كان الدواء مفقوداً في المستشفى فمن الطبيعي أن يتسبب بموت العديد من المرضى كما إن المستشفيات في الشيشان تفتقر لوسائل التدفئة ولا سيما بعد انقطاع الغاز بسبب الحرب ، فالجرحى المساكين يقاسون البرد الشديد بالإضافة لآلامهم وجراحاتهم ، ولا أنسى أول زيارة لمستشفى شيشاني وكان ذلك في قرية كرشالوي ، فعندما بدأت أشرح لمدير المستشفى ماذا نريد أن نقدم من مساعدات ..! أجابني .. إن كنت جاداً في رغبتك هذه فاذهب وائتنا بالحطب قبل كل شيء .. ثم نتكلم عن الدواء والطعام .
وقبل حوالي أربعة أو خمسة أيام زرت إحدى المستشفيات وسألت الطبيب المسؤول .. هل يوجد طعام للمرضى ؟ .. فعلمت أن الطعام غير موجود حتى للأطباء والعاملين في المستشفى .. فذهبت على الفور وأحضرت بعض الطعام للأطباء . وفي اليوم التالي ذهبت إلى المستشفى الرابع في العاصمة جروزني ، وهناك احتجت لربع ساعة لكي أرى طبيباً واحداً ، وعندما رايته علمت منه أنه الطبيب الوحيد الباقي في المستشفى بعد أن رحل كل الأطباء خوفاً من القصف الروسي الشديد على العاصمة وخاصة بعد أن طال هذا القصف مستشفى النساء والولادة .
أعتقد أن الوضع في مستشفيات الشيشان أشبه بصراع بين طرفين أولهما صواريخ الروس وقنابلهم ، وثانيهما الطعام والدواء والكادر الطبي المحدود . وإذا استمر هذا العدوان الوحشي وبقيت حالة العجز في المستشفيات فإن الشعب الشيشاني معرض للإبادة الجماعية والله المستعان .
المشرف على المستشفيات في الشيشان : مصعب محمد
|